صديق الحسيني القنوجي البخاري
374
فتح البيان في مقاصد القرآن
المشقة في اجتناب المنهي عنه كائنة وعلى فرض كونها دون مشقة امتثال الأمر فذلك لا يخرجها عن مطلق المشقة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي يوفيهم أجورهم ولا يضيع منها شيئا فلا يهمله ولا يبخسه بنقص قيل المحسنون المصلون . فَلَوْ لا كانَ هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهى عن الفساد ويأمر بالرشاد فقال فَلَوْ لا أي فهلا كان مِنَ الْقُرُونِ الماضية المهلكة بالعذاب الكائنة مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ من الرأي والعقل والدين ، والبقية في الأصل اسم لما يستبقيه الرجل مما يخرجه وهو لا يستبقي إلا أجوده وأفضله فصار لفظ البقية مثلا في الجودة يقال فلان ذو بقية إذا كان فيه خير ، والمراد بها حينئذ جيد الشيء وخياره ، من قولهم فلان بقية الناس وبقية الكرام وإنها صفة على فعيلة للمبالغة بمعنى فاعلة ولذلك دخلت التاء فيها . وقيل معناه أولو بقية من خير يقال فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ؛ وقيل إنها مصدر بمعنى البقوى ، كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذو وبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط اللّه وعقابه ، وقرىء بتخفيف الياء وهي اسم فاعل من بقي ، والتقدير أولو طائفة بقية أي باقية . وقرىء بضم الباء وسكون القاف ، أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال : أقرأني رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أولو بقية وأحلام . يَنْهَوْنَ قومهم عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ويمنعونهم من ذلك لكونهم ممن جمع اللّه له بين جودة العقل وقوة الدين ، وفي هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى والاستثناء في قوله إِلَّا قَلِيلًا منقطع أي لكن قليلا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ أي من الأمم الماضية وهم أتباع الأنبياء نهوا عن الفساد في الأرض وسائرهم تركوا النهي ، وقيل هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي فكأنه قال ما كان في القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم إلا أنه يؤدي إلى النصب في غير الموجب وإن كان غير النصب أولى . قال الزمخشري : إن جعلته متصلا كان المعنى فاسدا لأن الكلام يؤول إلى أن الناجين لا يحضون على النهي ومن في ممن بيانية لأنه لم ينج إلا الناهون قيل هؤلاء القليل هم قوم يونس لقوله فيما مرّ إلا قوم يونس ، وقيل هم أتباع الأنبياء أهل الحق من الأمم على العموم . وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بسبب مباشرتهم للفساد وتركهم للنهي عنه ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي أنعموا من الشهوات فاهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك والمترف الذي أبطرته النعمة يقال صبي مترف منعم البدن .